بحث في أطفال يستقصون العالم

يستعرض الكتاب تجربة تعليمية مميزة، وعلى الرغم أن الكتاب ليس حديثا تماما، فالكتاب صدر في 2008، (الطبعة العربية الأولى صدرت في 2014، والطبعة الثانية في 2016،  عن مركز قطان للبحث والتطوير التربوي، مؤسسة عبد المحسن القطان)إلا أنه يكتسب أهمية متزايدة للمعلمين والمسؤولين وصناع القرار في فلسطين، خاصة مع التوجه نحو المزيد من "المأسسة" في التعليم قبل المدرسي (رياض الأطفال)، لا يقدم الكتاب قالبا صالحا للنسخ، بقدر ما يؤشر لروافد جانبية، قادرة على تزويد إضافات حاسمة للرؤية والمنهجيات والممارسات، للتيار الرسمي التقليدي، الذي يحرم الممارسين غالبا من العمل معا نحو تطوير بيئة مهمة لتطوير الطفل لأقصى قابلياته الإبداعية.
ويقع الإبداع في قلب الرؤية البحثية الإجرائية المؤسسة للتجربة، التي تستهدف العمل التشاركي بين المربيات والفنانات والمواقع الثقافية والفنية مثل المتاحف والمعارض والمسارح، بحثا عن طرق "تعزيز الإبداع والابتكار لدى الأطفال ومعهم"، وإعادة بناء السياسات التعليمية ارتكازا على الإبداع، وإعادة الاعتبار لممارسات الأطفال باعتبارهم "بناة معرفة فطرية خلاقة ومستكشفين ومشاركين في بناء تعلمهم".
سؤال عن السياق
كل تعلم هو ابن مجتمعه، يستمد سماته من خصوصياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، إلا أن التأمل عبر عدسة التجربة يساعدنا على فهم سياقنا الخاص، ففيما يتعلق بالأهداف العامة للنظام التعليمي هناك وهناك يحضر الإبداع بقوة، إلا أن سياق التجربة يرتبط بتشريعات ومبادرات حكومية، تحرض المعلمين والمعلمات على القيام بمغامرات مع طلابهم تخالف السائد والمألوف، مما يحافظ على دور المعلم كمبدع وميسر للإبداع.
أما على السياق العالمي فالتنافس بين نظم التعليم يدور حول الإبداع وقدرة كل نظام على تزويد مجتمعه بأكبر عدد من المبدعين، لتلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل،  وهي تبدأ مبكرا جدا، من عمر ما قبل المدرسة، المجتمع في حاجة لهم بشكل متزايد، المشكلات الطارئة واليومية، بحاجة إلى توظيف مهارات غير مألوفة، دور المدرسة هو  مساعدة الطلاب على تطوير هذه المهارات.
التطور المهني: التعلم من وضع الحركة
إذا ما عدنا لكتب المنظرين التربويين في نهايات القرن الماضي، سنجد عبارات مثل تعلم كيف تتعلم كمهارة أساسية للحياة في المستقبل، حسنا! نحن الآن في المستقبل المرصود، الانفتاح على التجربة الإنسانية وإدارة التعلم الذاتي، نحن قطعا في حاجة لمعلمين قادرين على البحث الدائم عن إجابات أفضل لأسئلة تتغير باستمرار،  والبحث عن فرص تعمل أفضل، تؤهلهم لفتح الباب الذهبي للمستقبل: الإبداع، لم يعد الإبداع مهارة النخبة بعد الآن، بل هو بطاقة انضمام لكل فرد في نادي المستقبل، مهارة أساسية للحياة، ومن أجل ذلك تثير التجربة فضول الأطفال إلى الحد الأقصى، من خلال تجارب فنية وانخراط في الطبيعة، والتساؤل عن كل ما يحيط بهم، والمعلمون كذلك.
يقدم الباحثون/ الممارسون أسلوبا/منهجا في بناء المعرفة الإجرائي التأملي، من أجل الوصول إلى برامج مرنة ومحكمة، قائمة على استبصارات عميقة في عملية التعلم وترجمتها إلى ممارسات فعلية، وفحص أثر تلك الممارسات على الأطفال وعلى أنفسهم، من موقع الانخراط وليس المراقبة، ويلعب التوثيق والمشاركة دورا هاما في اتساع التأثير، لتمتد من المشاركين إلى السلطات المحلية والمجتمع بأسره، وهو ما ساعد في "تزايد عدد الناس المشتركين بشكل دراماتيكي على مر السنين".
بنى الحرية
يتطلب الإبداع توظيف أطر/ بنى لممارسة الأطفال والراشدون لحريتهم، بطريقة منهجية أبعد ما تكون عن العشوائية، تلك البنى يجب أن تصمم بعناية، لاتاحة أقصى مساحة للإبداع، والتيقن أن الجميع يحقق التقدم المطلوب في تعلمهم، والوصول إلى جداول زمنية مفتوحة، تسمح للمربين بالالتزام في تخطيط وإدارة تعلم الأطفال،" وتوظيف طرق للتعلم يقلصون فيها من  سيطرتهم على أنشطة الأطفال، وإتاحة المزيد من الحرية والمسؤولية إلى الأطفال.


ممارسات التقييم
للإجابة عن أسئلة من قبيل هل تعلم الأطفال حقا؟ هل حولهم هذا النهج لمبدعين؟، يستعرض فريق العمل عشرات من المواقف التي أستطاع الطلاب أن يطوروا مفاهيمهم  ويربطوا بين معارفهم، لإعادة انتاجها في صيغة إبداعية، نحن نتحدث هنا عن التقييم باعتباره "جزء" من عملية التعلم ذاتها، وليس للحكم عليها، من خلال إتاحة المجال ليقدم المتعلم أقصى أداء ممكن.
ويوفر الفن مجالا واسعا للعمل منذ اللحظة الأولى، يختار الطلاب من خلاله موضوعات تعلمهم والموضوعات، ويتحملوا مسؤولية تنمية مهاراتهم، بالاستعانة بالكبار كمصادر للتعلم، وتطوير مهارات التصميم والتعبير، بصورة تساعد المربيات المشاركات على تحقيق استبصارات عميقة في بنى التعلم الإبداعي وصيروراته، ينبع التقييم هنا من قلب عملية التعلم، ويساهم في التطور على مدار مراحلها المختلفة.


تطابق المرحلة الإبتدائية المرحلة الثانية من التطور بحسب المدرسة المونتسورية (6-12)، حيث يطور الطلاب التفكير المنطقي من أجل تشكيل صورة واعية عن العالم والحياة من حولهم، ويهدف التعليم في هذه المرحلة لإثارة فضول الطالب وخياله من أجل مساعدته على تطوير نموه الذهني بشكل كبير، ووظيفة التعليم هنا هو تقديم مساعدة الطالب على تكوين صوره الذهنية عن الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال بناء معرفة غير مجزأة ولا مفصولة عن الكون والإنسان والحياة، وتقدم المدرسة المونتسورية تلك المعرفة في صورتها الكلية، تساعد الطلاب على رؤية الموضوعات من خلال وجهات نظر العلوم المختلفة، يقوم الطالب من خلالها بتطوير معرفته وأرائه وتنمية مهاراته وقدراته على الاستغراق في العلوم المختلفة، من خلال خمسة دروس (أو قصص) كبرى، وهي:
الدرس الأول: نشأة الكون والأرض
الدرس الثاني: نشأة الحياة
الدرس الثالث: نشأة وتطور الإنسان
الدرس الرابع: قصة الكتابة
الدرس الخامس: قصة الأرقام

الدرس الأول: نشأة الكون والأرض
ويقدم هذا الدرس منذ البداية المبكرة للمدرسة، من خلال الصف المزود بالبالونات والنجوم الذهبية، والعرض بواسطة السوائل والمعادن لكيفية تشكل الأرض وانفصال القارات، والجدير بالذكر هنا أن كل من هذه الدروس الكبرى مرنة ليتم موائمتها مع المعتقدات الدينية أو غير الدينية السائدة في المجتمع، وكذلك يمكن للآباء والأمهات مساعدة الأطفال في المنزل على فهم تلك الحقائق، ويقود هذا الدرس لدراسة موضوعات العلوم التالية:
·        الفلك: النظام الشمسي، النجوم، المجرات، المذنبات، المجموعات النجمية
·        علم الأرصاد الجوية: الرياح، التيارات المائية، الطقس، الجبهات الباردة والدافئة، الضغط الجوي، عوامل التعرية، دورة المياه، السحب
·        الكيمياء: حالات المادة، التغير، المخاليط، التفاعلات، العناصر، الذرات، الجدول الدوري، المركبات، الجزيئات، الصيغ الكيميائية، المعادلات، التجارب والعمل المختبري.
·        الفيزياء: المغناطيس، الجاذبية، الطاقة، الضوء، الصوت، الحرارة، الاحتكاك، الحركة، الاختبارات والتجارب العلمية
·        علم طبقات الأرض (الجيولوجي): أنواع الصخور، المعادن، أشكال التربة، البراكين، الزلازل، الصفائح التكتونية، العصر الجليدي وعصور الأرض.
·        الجغرافيا: الخرائط والكرات الأرضية، خطوط الطول والعرض، النماذج المائية والأرضية، البلدان والقارات

الدرس الثاني: نشأة الحياة
ويركز هذا الدرس على قصة تطور كافة أشكال الحياة على كوكب الأرض، بهدف توفير تصور وافر للطفل عن الكائنات التي تحيا أو التي كانت موجودة على كوكب الأرض، مع التركيز على التنوع العظيم للحياة على كوكبنا، ودور كل من هذه الكائنات في المساهمة في الحياة على الأرض، ويقود هذا الدرس لتناول الموضوعات التالية:
·        الاحياء: الخلايا، الممالك وتصنيف المجموعات، العينات، التشريح، الملاحظة واستخدام المجهر
·        علم النبات: دراسة النبات وأجزائها وتصنيفاتها ووظائفها وأنواعها.
·        علم البيئة: الموقع وخصائصه، السلاسل والشبكات الغذائية، التكافل، التكيف، الأنظمة البيئية، الحفاظ على البيئة.
·        الحياة القديمة: عصور الأرض ، التطور ، الانقراض ، السجلات الأحفورية ، الحفريات
·        الحيوانات: تصنيفاتها، أوجه التشابه / الاختلاف ، النظم البشرية ، التغذية ، النظافة
·        الوحدانات (المتعضيات ذات الخلايا بدائية النوى/ بدائيات النوى)، الطلائعيات، ممالك الفطريات، ماهيتها وتصنيفاتها

الدرس الثالث: نشأة وتطور الإنسان
يتمحور الدرس هنا حول قصة تطور الجنس البشري مع التركيز على ثلاثة هبات أساسية ساهمت في صنع هذا التطور (عقل للتخيل، يد للصنع، وقلب للحب)، ومن خلال هذا المنظور يدرس الطلاب بدايات الحضارة وآثار الجنس البشري على الأرض، وهو ما يقود لدراسة الموضوعات التالية:
·        التاريخ: الخطوط  الزمنية ، عصور ما قبل التاريخ ، الحضارات القديمة ، تاريخ العالم ، تاريخ دول أوقارات محددة.
·        الثقافة: الفن ، الفنانين ، الموسيقى ، الملحنين ، الرقص ، الدراما ، الهندسة المعمارية ، التصميم، الفلسفة ، الدين ، الآداب العامة
·        الدراسات الاجتماعية: الأحداث الجارية ، والحكومة ، والاقتصاد ، والتجارة ، والعمل التطوعي والخيري
·        الاكتشاف والاختراع: العلماء والمخترعون والأساليب العلمية والاختراعات والآلات البسيطة

الدرس الرابع: قصة الكتابة
ويركز هذا التدرس على دراسة التواصل والإشارات، ودراسة القدرة البشرية المميزة على تسجيل الأفكار على أوراق أو غيرها من الوسائل كأداة للتواصل الآني أو مع الأجيال التالية، منذ أقدم وسائل الكتابة وحتى عصر الطباعة والطباعة الرقمية، ويقود هذا لدراسة الموضوعات التالية:
·        القراءة: الأدب والشعر والنثر والأساطير والحكايات الشعبية، بما يتضمن القراء الواعية والقدرة على التحليل والنقد واستخدام المصطلحات الأدبية
·        الكتابة: عناصر الأسلوب، الوظائف، التعبير الذاتي، الكتابة الأدبية والمهنية، كتابة الرسائل، كتابة الأبحاث، مهارات الدراسة
·        اللغة: أصول اللغة المحكية واللغات الأجنبية وتاريخ اللغات والكلام والدراما، الحروف الأبجدية ، ، القواعد ، وعلامات الترقيم ، وتحليل الجملة ، ودراسة الكلمات وأشكال الكلام.

الدرس الخامس: قصة الأرقام
ويعرف أيضا بتاريخ الرياضيات، ويبدأ مع بدايات الحضارات الأولى، حيث كان النظام الرقمي يعتمد ثلاثة منازل (واحد) و(أثنين) و(أكثر من أثنين)، وحتى بلغت أوجها في الأنظمة الرقمية المعاصرة، ويقود ذلك إلى دراسة الموضوعات:
·        الرياضيات: العمليات، الكسور، الكسور العشرية، المضاعفات، المربعات والمكعبات،النسب المئوية، والنسبة، والاحتمال، والمقدمة إلى الجبر.
·        الأرقام: أصول الأرقام، الأنظمة والقواعد، وأنواع الأرقام، والرموز العلمية، وعلماء الرياضيات
·        الهندسة: التطابق، التشابه، الخطوط و الزوايا، الأشكال والمجسمات، القياس، النظريات.

وبقدر ما يتعمق المعلم مع طلابه ويتشعب في أحد هذه الدروس، يجب عليه أن يكون واعيا بأنه ليس منفصل أو مستقل عن الدروس الاخرى، وأن الهدف ليس الدرس أو القصة في حد ذاتها، بل الهدف من تعمق الطالب في هذه القصص هو مساعدته على تشذيب وعيه وإثاره فضوله وشغفه نحو التعلم، واكتساب نظر شمولية للكون والحياة والإنسان والحضارة والمعرفة.

المصادر:
http://www.montessoriforeveryone.com/The-Five-Great-Lessons_ep_66-1.html
http://www.montessori.nsw.edu.au/News/TabId/125/ArtMID/535/ArticleID/87/Overview-of-the-Montessori-5-Great-Lessons.aspx
http://montessoritraining.blogspot.com/2009/09/introducing-and-exploring-five-great.html




مادلين سمير عراق



عشرات الدراسات عن السرد القصصي وربما مئات، كلها تؤكد على أهميته أو العديد من المزايا التي يتمتع بها، أما من وجهة نظري فقد كان همي الأول من توظيف السرد القصصي هو أن امنح تلك الفتيات الصغيرات صوتا يستطعن التعبير به عن مشاعرهن وأفكارهن.


منذ اليوم الأول لي كمتدربة  فاجأتني حقيقة أن الطالبات لا يستطعن التعبير عم يجول برؤوسهن، غير قادرات على تعريف الأشياء التي يحببنها، آمالهم وطموحاتهم غير وارد أصلا الحديث عنها، من الواضح أنهم يعانون من أزمة قوية في قدرتهن على التعبير، أثار ذلك في عقلي العديد من التساؤلات، ترى ما هي أسباب ضعف التعبير عند أطفالنا، هل هو قلة حوارنا مع أولادنا مع طلابنا !،طبيعة العنف اللفظي في مجتمعاتنا بشكل عام ،أم اعتقادنا أن الطفل ليس له رأي أصلا ، هل نحن كآباء أو كمعلمين نسمح للطالب بالتعبير بحرية ! هل نستمع لهم! لكن ما أثار اهتمامي بشكل أكبر هو كيف يمكن أن أساعدهن على تجاوز تلك الأزمة، ألا يكبرن وقد أضناهن عدم القدرة على التعبير، لذلك كان الحل من وجهة نظري هو استخدام السرد القصصي بطريقة جديدة لا تتوقف عند حدود "تحويل دروس المنهاج إلى حكايات"، وإنما توظيفه من قبل الطالبات ليعبرن عن المعرفة كما تتبدى لهن، من منظورهن الخاص وبكلماتهن الخاصة.

كانت مدة بحثي 60 يوما من الملاحظات والتأملات ،والمقابلات ،تحليل الصور والفيديوهات والمواقف ، والبحث في الكتب ،وعدا ذلك كله دوري كمعلمة متدربة تقوم بكامل دورها في الفصل، تم تصميم إستراتيجية التدخل والتي ترتكز على السرد القصصي حيث تتكون من أربع مراحل:

المرحلة الأولى: التهيئة
تركزت جهودي في تلك الفترة على تدريب الطالبات على بعض التكنيكات التي تساعد على تحسين قدرتهن على التعبير، وتدفع بقدرتهن على السرد عدة خطوات إلى الأمام، مثل سرد النكات والتعليقات الفكاهية، فكنت أشجعهن على التعليق على بعض الموضوعات باستخدام نكتة، "من تملك نكتة أو تعرف موقفا مضحكا بخصوص هذا الموضوع؟" ساعد ذلك على تمرين حناجرهم على التعبير، وفي النهاية لا شيء يستدعي التفكير النقدي والقدرة على التعبير بوضوح مثل الفكاهة.
أيضا تحويل العبرة إلى ممارسة، كان ذلك يسمح لهن بالتعمق أكثر في القصة لاستخلاص العبرة منها وتذويتها من خلال تحويلها لسلوك عملي، مثلا في قصة عن طائر ساعده أصدقائه على الطيران، ومع قليل من التعزيز، حصلت الطالبات الأقل حظا على مساعدة من زميلاتهن في الصف، كانت تلك نقلة نوعية في سبيل خلق بيئة آمنة تشجع كل طالبة على التعبير عن أفكارها دون خجل أو خوف من الخطأ، حين تخطئ هناك من سيساعدك.
المرحلة الثانية: النمذجة

من خلال طرح القصص التعليمية من خلال المنهاج، حيث عملت على تحويل معظم الخبرات الواردة في المنهاج إلى شكل قصصي، وهو عمل مضنٍ لكنه ممتع، دروس الجمع والأكبر والأصغر والأعداد الزوجية والفردية والمحاصيل الزراعية والفواكه والخضروات والكثير من الدروس الأخرى حولتها إلى قصص كنت أسردها على مسامع الطالبات وأشجعهن على مناقشتها وطرح الأسئلة حولها واستخلاص الدروس ومساعدة بعضهن بعضا، قدمت لهن نماذج تطبيقية حول السرد القصصي.

المرحلة الثالثة: التدريب
وفي هذه المرحلة وضحت لهن مفهوم السرد القصصي وكيف يمكن أن تحكي حكاية، وبدأت في تدريبهن على استخدام القصة في مواقف مختلفة، مثلا " ماذا لو اقتربت أختك الأصغر من الغاز ،كيف ستقنعينها بأن لا تقترب مرة أخرى ؟" كانت الطالبات في غاية الذكاء واستطعن فورا تحويل المواقف إلى قصص تطرح كل منها عبرة أو موضوع حول القضايا التي كنت أعرضها عليهن، طلبت منهن أن تستدعي كل منهن من خبرتها قصة قد روتها أمها أو جدتها لعبرة أثرت فيها، أسعدني أنهن تشربن بسهولة ماهية السرد القصصي وكيف يمكن أن نوظفه.

المرحلة الرابعة: التطبيق
وفي تلك المرحلة بدأت في عرض قصص عليهن والطلب منهن إعادة سردها وفقا لرؤيتها وكلماتها الخاصة، يمكن لهن أن يغيرن في الأحداث أو النهاية بحسب ما ترى كل منهن، استمعن إلى قصص بعضهن البعض وناقشوها، كذلك في هذه المرحلة تم توظيف الرسم للتعبير عن القصص، اختارت كل منهن مشهد يعبر عن فصل الشتاء وقامت بعرضه وتم تحليله بشكل جماعي، بناء عليه تم الطلب من كل منهن أن تروي قصة عن الشتاء على أن تتضمن هذه القصة عبرة أو معلومات تفيد الأخريات، على الرغم من التفاوت في القدرات، فمنهن من عرضت قصة متكاملة عن الشتاء في حين عبرت بعضهن بعبارات صحيحة أو حتى أقرب إلى الصحة في بعض الأحيان، إلا أن تحولا حاسما قد حدث في المجموع، كان من الواضح أن كل منهن قد انخرطت في بناء قصتها، البنات يقفن ويعرضن عباراتهن بجرأة ودون تلعثم تقريبا، اللغة فصيحة أو أقرب إلى الفصحى، والمعلومات والعبارات متكاملة وجميلة.
قررت أن أدفع الأمور قليلا إلى الأمام، طلبت أن تعيد كل منهن قصتها بشكل كتابي، كانت مفاجأة سارة، أغلبهن استطعن التعبير كتابة عن أفكارهن، طبعا كان هناك تفاوت في المستوى، إلا أن تستطيع طفلة في الصف الثاني من التعبير عن أفكارها حتى لو بعبارات قصيرة، كان ذلك إنجازا حقا مقارنة بمستواهن قبل بداية القصة.


ما تعلمته شخصيا أننا كمعلمين لسنا مسؤولين فقط عن تلقين الطلاب المعلومات الواردة في المنهاج، المهمة أعقد بكثير، إن من واجبنا الاعتناء بكل طفل أمامنا ليس فقط كطالب ولكن أيضا كفرد وإنسان مهما كان مستواه الدراسي، نجاحك كمعلم لا يتحدد بنسبة الطلاب المتفوقين في صفك، بل بقدر ما توجهه من اهتمام ورعاية للطلاب الأضعف.
التأمل Meditation  أو يقظة العقل Mindfulness  وتأثيرها على الانفعالات العدائية لأطفال المدارس
إسراء صوفي


في بدايات بحثي عن عنوان لمشروع التخرج، وباتصالي المباشر مع تلاميذ المرحلة الابتائية الاولى أثناء تدريبي في المدرسة، وجدت من خلال ملاحظاتي أن أغلب المعلمين يقفون عاجزين على التعامل مع الأطفال العدائيين، حتى أنهم كثيرا ما يشعرون بالإحباط إزاء عجزهم عن فهم مايدور في أدمغة وأحاسيس هؤلاء الأطفال، مايدفعهم لاستخدام العقاب في الغالب؛ كمحاولة منهم على إخماد هذا الصراع، إنه لأمر محزن حين ترى أما تصارع ابنها لإقناعه في الذهاب الى المدرسة، بل وحين تعجز عن إقناعه تضطر ان تأتي بنفسها لترافقه طيلة اليوم الدراسي! أو حين تنفذ من المعلم الحيل حتى يضطر إلى عقاب طفل أو تعنيفه ليتمكن من الحصول على مساحة من الهدوء..أمر محبط لك كمعلم حين تعجز عن التصرف.

وفي خلال بحثي عن أساليب التدخل التي من شأنها أن تسهم في التخلص من الانفعالات العدائية لطلاب المرحلة الابتدائية في مدارسنا التي مازالت ترى أن العقاب يكاد أن يكون الوسيلة الوحيدة للردع، عثرت على مقال يتحدث عن توظيف التأمل أو اليقظة الذهنية في أحدى المدارس الأجنبية، جذبني الموضوع للإطلاع أكثر على العديد من المصادر حول الموضوع، وجدت أن التأمل وتمارين الاسترخاء من الممكن ان تساعد في القضاء على الكثير من الانفعالات السلبية لدى الاطفال، بل وإنها تساعد في التخلص من أعراض الاكتئاب، وحل الكثير من المشكلات الصحية كأمراض القلب واضطرابات النوم، كما تسهم في تطوير الدماغ بأكمله، من خلال تحسين الشعور بمعنى الحياة، وتعزيز الاستجابات الكيفية لمواجهة الضغوطات، للوصول نهاية الى الصفاء الذهني وزيادة التركيز والانتباه. إن أهمية اليقظة العقلية تكمن في اختلافها عن التدخلات التقليدية في سعيها إلى تعليم الأطفال مراقبة افكارهم وانفعالاتهم والوعي بها من اجل تقبلها كما هي دون انفعال تجاهها، وليس لمحاولة تغييرها.

فكانت فكرة الدراسة في أن تتعرف على مدى فاعلية استخدام اليقظة العقلية القائمة على تمارين التأمل والاسترخاء، للتخفيف من حدة السلوكيات العدوانية، وجعلها جزءا لايتجزء من ثقافة المدرسة وثقافة الطلاب، لتحقيق ذلك فقد قررت بمساعدة مشرفي ومن خلال بحثي واطلاعي أن أقوم بإعداد برنامج لمدة اسبوعين كحد أدنى تظمن 10 جلسات بواقع 15 عشر دقيقة للجلسة الواحدة .
في الأسبوع الأول تعلمت فيه انا وأطفالي وضعيات الجلوس بشكل مريح، وتمارين التنفس للاسترخاء من خلال مراقبة الهواء اثناء الدخول والخروج مع العد، ومن ثم تخيل أشياء جميلة والتركيز عليها،  حيث ترافق هذا التمرين مع موسيقى هادئة تساعدهم على ذلك، وفي نهاية الجلسات كنت أطلب منهم أن يصفو لي المكان والإحساس المرافق لتخيلهم ، وتنوعت الجلسات بين جلسات مفتوحة في ساحة المدرسة، أو في غرفة صغيرة أعددتها لهذا الغرض.


أما عن الاسبوع الثاني من البرنامج فقد احتوت الجلسات على سردي لهم قصة يتخيلونها ومع التخيل يقومون بتقليد الاشياء الموجودة فيها باستخدام خيالاتهم والتركيز على عضلات معينة في أجسامهم، فكانت القصة تحتوي على تقليد (الفراشة ، الشجرة، الجبل، النسر، العجلة) وكنت مهتما في نهاية الجلسات أن أكلفهم بتمارين منزلية مبنية على ممارسة التأمل في منازلهم وبمشاركة ذويهم حيث كانت النتائج رائعة وكنت أود لو أنه باستطاعتي أن اكمل معهم من الحماس الذي كنت أقرئه في أعينهم في كل مرة.

 النتائج التي توصلت إليها الدراسة  كانت رائعة، كان التغير على سلوك الأطفال يظهر بشكل مضطرد وفقا لملاحظاتي وملاحظات الأهل والمعلمين، والأروع أن أثرها قد امتد إلى الفترة القصيرة التي أعقبت البرنامج، وهو ما  يدل على أن اثر البرنامج لم يكن لحظيا وإنما ممتدا، فمن خلال التحليل والمتابعة  تبين أن استخدام التأمل في المدارس يساعد في خفض الانفعالات العدائية بشكل كبير، وهو ما أسهم في مساعدة الأطفال على زيادة التركيز داخل الفصول الدراسية بعكس قبل التدخل، وعدم قدرتهم على الانتباه لفترات طويلة، وكذلك فقد أظهرت النتائج الإتجاهات الايجابية نحو المدرسة وجماعة الأقران من خلال تقليل المواقف العدوانية والتهرب من المدرسة لدى المجموعة التي عملت معها، وسيادة نوع من التعاون والحب  بدلا من الصراع والشجار فيما بينهم .


على الصعيد الشخصي، أتمنى لو أتيح لي وقت أطول لترسيخ الفكرة وتعميق الممارسة بشكل أكبر، أتمنى لو استطيع أن أعيد التجربة مرة أخرى، فما تعلمته منها كفيلا بأن أدير العمل بشكل أفضل، أتمنى لو اهتممت بشكل أكبر بتسجيل اللحظات الممتعة التي عشتها مع الأطفال، أتمنى أن يكون في كل مدرسة برنامج مشابه يساعد الطلاب على الوصول للصفاء الذهني واستكشاف أحاسيسهم وتقبلها،  أتمنى أن يتوقف المعلمين مرة واحدة وإلى الأبد عن عقاب الطلاب وتعنيفهم.