‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات وخلاصات عملية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات وخلاصات عملية. إظهار كافة الرسائل
لما كان التشخيص نصف العلاج، فقد سعينا أنا وطلابي لتشخيص الممارسات التلقينية، من خلال عصف ذهني قمنا من خلاله باعادة رسم تفاصيل الصف التقليدي كما خبرناه على مدى سنوات تمدرسنا، وتحديد السلبيات الراسخة في تلك المماريات.
بداية تم تحديد أو تعريف التلقين بأنه "حشو الذهن" بحيث تبدو عملية التدريس من خلال هذا المنظور وكأنها مجرد محاولة من المعلم لجمع المعلومات من الكتاب واعادة تعبئتها في عقل الطلاب، بأفضل طريقة أحيانا، وبدون نظام ولا ترتيب أحيانا أخرى، حتى يقوم الطالب بافراغها مرة أخرى على دفتر الاجابة، استعدادا لاعادة تعبئتها في الفصل/ العام القادم، وتستمر عملية التعبئة والتفريغ على مدى سنوات التمدرس كلها (وتستمر أحيانا حتى الجامعة)

1.       شرح الأستاذ بدون مشاركة من الطلاب: مهما كان المعلم مميزا في أسلوب شرحه، ونقل المعرفة إلى الطلاب لفظيا، فإنه بالحد الأدنى يضيع على الطلاب الفرصة لبناء معرفتهم بأنفسهم من جهة، كما يضيع وقت ثمين يمكن استغلاله بصورة تعود بنفع أكبر على الطلاب، وفي أحيان أخرى تقتصر المشاركة على أسلوب "التحقيق البوليسي" حيث يقوم المعلم بالقاء أسئلة قصيرة متعاقبة، تختبر قريحة الطلاب في الغالب فيما شرحه المعلم للتو، والمطلوب منهم تقديم "اجابة واحدة صحيحة" هي التي تلاها عليهم المعلم سابقا.
2.       الطالب عبارة عن مستمع/متلقي/ مستجيب، يؤدي التلقين في الصف إلى شعور الطلاب "بالاغتراب المعرفي"، فما يقدم للطلاب يبقى شيئا خارجا عنهم، في الغالب هم مستمعون لشرح المعلم، لا يشاركون في بناء مادة تعلمهم، وفي الغالب هم طوال الحصص ينفذون أوامر المعلم (اقرأ، انتبه، رد، أجب، قف، تحرك......)، بدون فعل حقيق مستقل من طرفه، وكأن الدرس أو الحصة هو تدريب على "الانصياع".
3.       نقل المادة من الكتاب المقرر "حرفيا"، والتعامل مع خبرات المنهاج بشكل خطي، وتناولها على ترتيب ورودها في الكتاب المقرر، واتباعه صفحة بصفحة، بعيدا عن ربطها بالخبرات الواردة في نفس المقرر، وبالتالي خبرات المقررات الأخرى وواقع الطلاب واهتماماتهم،  المنهاج ليس نص مقدس، ولا يجب التعامل معه على أنه كذلك، فالخبرات الواردة فيه ليست الأفضل ولا الأصح ولا الأعمق ولا الأكثر شمولية، وربما أحيانا ليس حتى الأكثر مناسبة
4.       عدم استخدام وسائل تعليمية، اواستخدامها بطريقة غير فعالة/ تفاعلية، حيث يميل المعلمون التلقينيون غالبا إلى استخدام وسائل تعتمد على العرض، لمساعدتهم في توضيح الأفكار أو المفاهيم، وبالتالي تبقى ممارسة الطلاب سلبية.
5.       عدم تطور مهارات الطالب والتركيز على الحفظ باعتبارها المهارة الأكثر استهدافا والأكبر تقديرا خلال عملية التلقين، وبالتالي لا يتمكن الطالب من التعامل مع أي معلومات أو مصادر خارجية، كما لا يطور أية مهارات في مجال الوصول إلى مصادر المعلومات وجمعها وتنسيقها وتحليلها على سبيل المثال.
6.       التركيز على العلامة/ الامتحان، بحيث يصبح النجاح أو علامة الامتحان هدف في حد ذاته، بعيدا عن التقدير الحقيقي لما تم تعلمه أو النظر إلى مقدار تطور مهاراته
7.       التركيز على الضبط: من الخطأ التركيز على ترسيخ النظام باعتباره أساس عملية التعلم بأجملها، حتى يتحول لغاية في حد ذاته، فالطلاب حين يلعبون أو يغنون مثلا ليسوا بحاجة لضبط مثلا، وعمل المجموعات يحتاج لقدر من المرونة في الصف لكي يحقق هدفه، وهو ما يمكن للمعلم أن يضحى بفوائده في سبيل الحصول على "صف هاديء ومنضبط"
وينتج عن تلك الممارسات متعلم سلبي هو نواة شخصية سلبية في المجتمع، شخص لا يمتلك المهارات اللازمة لتطوير معرفته في مجال محدد أو توظيف ما يتم تعلمه في الحياة الواقعية، يفتقر للحد الأدنى للمبادرة والعفوية في التعامل مع المشكلات الحياتية، قابل لما يفرض عليه من قواعد، غير راغب ولا قادر على تغييرها، يسهل عليه اتباع الاجراءات والارشادات الموجهة له، بينما يصعب عليه ارتكاب أي فعل أو تفكير مستقل.
الحلول:
يكمن أي حل للخروج من دائرة التلقين الممجوجة، أن يعيد المعلم صياغة دوره وأدوار الطلاب داخل غرفة الصف، وتصميم الأنشطة التي تسمح لهم بالوصول إلى نتائج مختلفة تعبر عن تفكيرهم المستقل، ولعل المدخل الأهم في ذلك هو "انتاج المعرفة" بدلا من تلقيها جاهزة، حيث يتم تحويل المنهاج من نص مقدس إلى "خارطة طريق" ، ويقوم المعلم بتحويل الدروس إلى "خبرات تعليمية" تسمح للمتعلم بالتوجه نحو مصادر مختلفة للمعرفة وجمع المعلومات وتصنيفها وترتيبها وتحليلها، وأن يقوم المتعلم باعادة بناء المعرف وفقا لرؤيته الخاصة، وبالتالي السماح للطلاب بالوصول إلى نتائج مختلفة وآراء متباينة، يناقشونها فيما بينهم للوصول إلى بناء تصورات أمثل..... وهو لب أي عملية تعلم نشط

* تم بناء هذا المقال من خلال "عصف ذهني" مع طلاب التربية العملية، جامعة القدس المفتوحة، فبراير/ شباط 2015







اتذكر أثناء دراستي الجامعية، المحاضرة التي خصصها الأستاذ للهجوم على أفكار ايفان إيليتش التربوية في كتابه "مجتمع بلا مدارس" والذي نادى فيه بأن المجتمع لن يتقدم إلا إذا تخلص من المؤسسات التي تعيق التقدم، وعلى رأسها المدرسة، وعلى الرغم مما بذل الاستاذ في حينها من جهد لتفنيد "وتسخيف" أفكار اليتش، إلا أنه استقر في وجداني أن الكثير من اطروحاته على قدر من المعقولية، وهو ما دفعني للمزيد من القراءة حول أفكار اليتش، وهو ما وجدت فيه الكثير مما يتطابق مع واقعنا التعليمي، والقاضية بضرورة التخلص من "التعليم المدرسي" بشكله الحالي
ولأفكار اللا مدرسية جانبين مهمين:

  • الجانب النقدي: ففكرة هدم المدرسة ليست فكرة مطلقة بقدر ما هي نظرة نقدية إلى الجوانب السلبية من التعليم المدرسي، وبدون التخلص من تلك السلبيات، لن يستطيع اللتعليم القيام بالدور المنوط بها، وهو توفير البيئة الصالحة ليطور من خلالها المتعلمون شخصياتهم وأفكارهم ومهاراتهم.
  • الجانب الرؤيوي: فالمجتمع (الآن) قد تجاوز المفهوم التقليدي للمؤسسة التعليمية باعتبارها المصدر الوحيد لبناء المعرفة، فالخبرات التعليمية متعددة المصادر والأشكال لدرجة لا تستطيع معها ملاحقتها، وبالتالي فإن سعي المدرسة اللاهث خلف توظيف التقنيات الحديثة في التعليم يبقى متأخرا عن المجالات الأخرى.
تعليم بلا أسوار
هل تحتجز أسوار المعرفة داخل المدرسة أم خارجها؟ إذا كانت تحتجز المعرفة داخلها، فلابد من هدم هذه الأسوار لكي تنتشر المعرفة، أما إذا كانت تحتجزها خارجها، فيجب تحرير الأطفال المحتجزين داخلها لتمهيد سبيلهم في البحث عنها، وبعبارة أخرى، نحن نتعلم الكثير داخل المدرسة لكننا لا نستفيد منه إلا القليل جدا في حياتنا العملية (يقول آينشتاين: إن العلم هو ما يبقى بعدما ينسى المرء كل ما تعلمه في المدرسة)، نحن لا نذهب إلى المدرسة (ومن ثم الجامعة) من أجل التعليم والمعرفة إنما من أجل الشهادة، التي يعترف بها المجتمع وترتبط بالمكانة الاجتماعية، ودور المدرسة هنا هي قولبة مجموعة من المعارف وتصنيفها وترتيبها على شكل مراحل دراسية من الأدنى للأعلى، ويتم تقديرها وفقا لمدة البقاء في المدرسة.

من جهة أخرى فإن التعليم باعتباره مؤسسة مستقلة، يكاد يكون منعزلا عما حوله، ويتضاءل دور البيئة المحيطة (الخبراء والمؤسسات في شتى المجالات) بشكل كبير داخل النظام التعليمي، والخبرات التعليمية الوحيدة المعتمدة هي الخبرات التي تتضمنها خبرات المناهج، وبالتالي فحتى المهارات التي تقدمها المدرسة هي مجزوءة ومستقلة عن سياقها، غير عملية أو وظيفية للمتعلم، وتبقى فكرة المناهج المستقلة أو تقسيم المعرفة إلى مجالات فكرة غير واقعية، فالعلوم البينية والعلوم ما بين البينية تقضي بسخافة فكرة المجالات المعرفية المنفصلة، كما أن  خبرات الحياة ذاتها تأتي معتمدة على العديد من العلوم، وهو ما لم يتم تدريب الطالب عليه في المدرسة، أو تم التدريب عليه بشكل سطحي.
إن أسوار المدرسة هي عائق أمام تحقيق الأطفال لمكنوناتهم وما مقدر لهم من قدرات ومهارات
موت المعلم
 المقصود هنا ليس التخلص من المعلم كمهنة أو أشخاص، إنما له نفس المغزى المقصود ب"موت المؤلف" في الفنون المسرحية والروائية، ويستمد هذا التعبير أصله من نتائج العلوم اللغوية، وهي أن الكلمة الواحدة لا تعني نفس المعنى لشخصين مختلفين، أو لنفس الشخص في موقفين مختلفين، بل تكتسب معناها من سياق الحدث ومن الخلفية المعرفية وخبرات السامع أو القاريء، وتستند تلك الرؤية إلى الوقائع والشواهد المعرفية المعاصرة، من أن تفسير المعلومات يستند إلى البنية المعرفية للذات العارفة (المتعلم في هذه الحالة)، فمثلا المعلومة ذاتها لا تعني نفس الشيء لعالمين من مجالين مختلفين، فالمقصود "بموت المعلم" هو ذلك الشخص الذي يمتلك المعرفة والقادر على نقلها للمتعلمين، وبالتالي يستمد سطوته من مكانته المعرفية الأرقى
تلك الشخصية الكلاسيكية لم تعد صالحة للبقاء، إنما هي عائق في سبيل تطوير المتعلم لمعارفه وأفكاره، صورة المعلم المحتكر للمعرفة والموكل بتفسيرها لم تعد موجودة إلا بالأنظمة البالية، ويستمد المعلم أدواره الحديثة من مبدأ "تمهين المعرفة"، فدوره لا يقتصر على تقديم المعرفة، ولا يشتمل بالقطع تفسيرها، بل جل عمله ينصب على تطوير مهارات الطلاب في الوصول إلى المعرفة، وشحذ قدراتهم على المشاركة في صناعة المعرفة، باعتبارها مكون أساس من مهن المستقبل.
تأخر الزمن التعليمي
الفعل التعليمي بطبيعته ماضوي (ينزع للماضي)، حيث يقوم المعلم بتعليم الطلاب (اللحظة الحالية) ما تعلمه خلال تعليمه الجامعي (لحظة ماضية) ليستفيد به في حياته العملية (لحظة مستقبلية)، وفقا لهذه المعادلة الزمنية، فإن قدرة استفادة المتعلم مما يتعلمه في المدرسة تتضاءل، وكنتيجة يركز التعليم على تاريخ المعرفة أكثر منه تعليم للمعرفة ذاتها، والمعلم غير مطالب بتجديد معرفته، لأنه حتى مع اطلاع المعلم على أحدث نتائج المعرفة في تخصصه، فإن هذه المعرفة تبقى غير وظيفية، لأنها غير مشمولة في المنهاج.
ويعمل المنهاج بطبيعته(ضمن عدة أوجه قصور أخرى) على تثبيت النزعة الماضوية، فعمليات الانتقاء والترتيب والتجهيز تستغرق فترة زمنية طويلة، وبحسب تسارع المعرفة الحالي، فإن المعرفة في المناهج الدراسية تصبح قديمة قبل أن يجف الحبر عليها، ومع تعزيز ثقافة تعليمية بائدة نصها أن المتعلم فقط فيما هو وارد بالمنهاج، يبقى اتصال الطالب مع المعرفة المعاصرة خلال النظام التعليمي ضعيفا
إن طبيعة العالم الذي نحياه بما تشكله من تحديات تكشف بشكل أساسي عن أن مشكلات الحاضر لا يمكن أن تعالج بعقلية الماضي، وما كان صحيحا في الماضي، وإن لم يتم اكتشاف خطأه، فقد أصبح باليا وغير صالح للاستخدام
التربية من أجل الاختلاف
يعبر المنهاج بشكل عام عن وجهة نظر الطبقة المسيطرة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، ويعكس قيمها وميولها، وعادة ما تنحو المناهج نحو ما يسمى "التطبيع الاجتماعي" وهي عملية قولبة للمتعلمين وفقا لأطر محددة مسبقا ضمن المنهاج، وبالتالي ما يكونه المتعلم عن معرفة هي "نسخ مكررة" عن معرفة أقرانه، بعيدا عن تشكيل "الشخصية المعرفية" بما فيها من عوامل ذاتية وخصوصية كل فرد، ويقوم ذلك التصور عن تخيل النظام المدرسي "كخط انتاج" يقوم بتكرار النسخ المنتجة نتيجة توحيد الاجراءات التعليمية (الطلاب يتعلمون كتاب واحد، يدروسون بنفس الطريقة وفقا لخطة دراسية محددة سفا، يتعرضون لنفس أشكال التقويم) وبالتالي يبقى الامتحان النهائي (التوجيهي مثالا) والمطلوب من كل الطلاب كتابة الاجابة المطلوبة باعتبار أن هنك اجابة صحيحة واحدة لأي سؤال، وهو ما يتنافى مع طبيعة الحياة والعلم في واقعنا
إن القيمة الأساسية في الاختلاف تكمن في الثراء الناتج عن الأشكال المتعددة للمنتج، وهو ما لا محل له في المجال المدرسي، فالمطلوب ناتج محدد وفقا لمواصفات محددة، وتعد تلك المواصفات معيار لتراتبية المعرفة وتصنيف الطلاب، فمثلا تكتسب بعض الفروع العلمية أهمية أكثر من غيرها وفقا لتصور معين يضع الفنون في أسفل الهرم التعليمي، وبالتالي فالطفل المبدع في الرسم لا فرصة أمامه للمنافسة مع الطفل القادر على حفظ وتكرار اجراءات الرياضيات أو قوانين الفيزياء، ووفقا لذلك يتم تصنيف الطلاب (متفوق، متوسط، ضعيف) وفقا لنفس المعايير، ويعد ذلك تطبيقا مزيفا لمبدأ "مراعاة الفروق الفردية" فأي فروق فردية تلك التي تجعل من كل الطلاب قابلين للقياس على نفس المعيار (في مستوى الطالب المتوسط) ليضطر الطالب النابغ في أي مجال إلى الحد من قدراته لتتلائم مع القدرات الطالب المتوسط
شبكات التعلم
في مقابل ما تقوم به المدرسة من حصر لأفاق الطلاب ونزعهم عن واقعهم، يقدم ايليتش بديلا للمدرسة فيما يعرف شبكات التعلم، وتستند تلك الشبكات إلى مجموعة من المباديء:

  • أنها تتكون من الوسائط التقليدية للتربية اللامدرسية (الأسرة، دور العبادة، المؤسسات المهنية والسياسية، وسائل الإعلام، المكتبات والمعارض والمتاحف.......) والدور الأساسي فيها للتعلم الذاتي الحر
  • أن المدرسة لا يمكن الاستغناء عنها ضمن هذه الشبكة، ولكن يتم تحوير دورها بحيث تصبح بمثابة بؤر على الشبكة تعمل على تنظيم السيال المعرفي الساري فيها
  • يركز التعليم ضمن هذه الشبكة على كيفية وصول المتعلم إلى المصدر الملائم والحصول على المعلومات، والاستجابة النقدية لهذه المعلومات.
  • أن تكون كل الخبرات المطلوبة في متناول جميع المتعلمين يختار المتعلم منها ما يناسبه وفقا لمساره الذاتي في التعلم.
  • وجود مراكز لتبادل الخبرات بين المتخصصين والمتعلمين، ويتم اعطاء الخبراء والمحترفين الفرصة للمشاركة في عملية التعليم، وبالتالي اثراء المعرفة التعليمية
  • بعكس نظام الفصول الدراسية، تجمع شبكات التعلم بين الأقران على أساس الاهتمام والميول التعليمية، وتقدم لهم لوائح من المصادر والأنشطة الذين هم في حاجة إليها ضمن مسارهم التعليمي، ويختارون منها بكل حرية.
  • دور المعلم كخبير معرفي يتمثل في ارشاد الطلاب والعمل على تطوير قدراتهم النقدية والإبداعية فيما ينتقونه من مسارات تعليمية وخبرات تربوية



وكمحصلة، فيمكن أن نرى أن أفكار اللا مدرسية ليس الهدف منها هدم المدرسة بل تحطيم أسوارها، وفتح المجال أمام المعلم والمتعلم لممارسة المعرفة ضمن سياق أكثر اتساعا وواقعية، وهو ما يجعل من ذلك نموذجا ملائما للتعليم في عصر المعرفة وعالم الشبكات والوسائط الاجتماعية.

يتذكر ابناء جيلي الدعوات التي سادت للحد من خطورة التلفاز على الأطفال، ومدى الضرر على أدمغة الأطفال، نتيجة تعرضهم للمحتوى الأجنبي المترجم (والمدبلج أكثر خطرا)، ومدى خطورة ذلك على النمط القيمي والأخلاقي السائد، وعلى ما يبدو أن المعركة كانت في صالح الوسيط الجديد، ونشأت أجيال وأجيال على المواد التي يعرضها (ومازال) التلفزيون على أطفالنا، ومع دخول الأطباق الفضائية إلى مجال الاعلام واتساع أفق المشاهدة، باتت المواد الدعائية وبرامج الترفيه أكثر جاذبية، ناهيك عن المحتوى السيء، خلاصة القول لم تكن شبكة قيمية جادة تحمى النشء العربي من تأثير المحتوى المتلفز
نفس المشكلة ولكن ضمن اطار أوسع عند دخول عصر الانترنت، بات المستخدم العربي بدون أي ارشاد أو توجيه أمام محتوى مفتوح يمثل كافة المعتقدات والاتجاهات والثقافات من جهة، ومحتوى لا أخلاقي لا حدود له، وبات من العسير تحديد المعلومات صدقها من كذبها، لعقول لم تدرب على التعامل مع فيض المعلومات الكثيفة، وتفيد الاحصائيات أن 61% من أهداف الاستخدام للترفيه والألعاب والمحادثة، بينما بلغت نسبة استخدامه للدراسة والعلم والبحث 8%


ويكاد يكون الوضع مشابه عبر الشبكات الاجتماعية (فيسبوك، تويتر، انستجرام......)، حيث تستقبل كل عام ملايين من المستخدمين الجدد، الذين يجدون أنفسهم أمام طوفان من الاهتمامات والاتجاهات، وتزايد الانفتاح على المحتوى والأشخاص، ونجد ابنائنا وطلابنا قد اكتسبوا قناعات غريبة وأفكار ومعلومات خاطئة، بدون أن نكون قادرين على مجابهة تلك المصادر
يساعد التعلم الاجتماعي (أو التعليم عبر الشبكات الاجتماعية) على تفعيل الدور الاجتماعي للمعلم عبر الانترنت كموجه معرفي واجتماعي للطلاب واعداد أجيال جديدة من الرواد القادرين على توجيه السواد الأعظم من المستخدمين الجدد لما فيه المنفعة

التعليم الاجتماعي...تواصل حتى أراك
مازال المستخدم العربي مستخدما سلبيا حتى الان، يكتفي بالمشاهدة أو الاطلاع وغالبا ما يتجنب حتى التعليق عليه
من خلال التعلم الاجتماعي سواء كنت متعلما أو معلما يجب عليك التواصل باستمرار، تتقن التعبير عن رأيك بحرية ووضوح، وتختار طبيعة التواصل الذي تريده بالشكل الذي يناسبك، وفقا لبرنامجك الشخصي
وتتيح أدوات الاتصال عبر الشبكات الاجتماعية مدى واسع للتواصل، وخصوصا مع انتشار الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية المتاحة لمعظم الطلاب، مما يسهل تحقيق التعلم النقال (التعلم عبر الأجهزة الجوالة) mlearning

التعليم الاجتماعي والمحتوى العربي:
يعاني المحتوى العربي بشكل عام والمحتوى العربي التعليمي عبر الانترنت من عدة عيوب، أهمها:

  • ندرة المحتوى نتيجة عدم اقبال قطاعات واسعة على المساهمة فيه ونشره على مستوى واسع.
  • الضعف الفني للمحتوى وعدم ملاءمته للفئات المستهدفة
  • معظم المحتوى (صفحات انترنت، فيديو، صور، ......) ينصب في مجال التسلية والترفيه....
ويساعد التعليم الاجتماعي كل من المعلم والمتعلم على المساهمة في اثراء المحتوى العربي بأشكاله المختلفة، ونشر المحتوى النوعي والمتخصص والعلمي على مدى واسع، ويمتاز بصلاحيته العلمية نظرا للتنقيح المستمر الجاري عليه.

التعليم الاجتماعي والمبادرة عبر الانترنت
يعد الاستثمار في انتاج المحتوى والخدمات عبر الانترنت أحد الاتجاهات الاستثمارية الحديثة، والتي تتيح لمنتج المحتوى ومقدم الخدمة مجال لتحقيق أرباح مادية حقيقية، ومازالت المبادرات التعليمية في هذا المجال نادرة، مما يجعلها سوقا مفتوحا للباحثين عن فرص لاستثمار معارفهم ومهاراتهم، ولتحقيق ذلك يجب عليك بتحديد الفئة التي ترغب في تقديم المحتوى أو الخدمة إليها، وتقديم فكرة جديدة يمكنها أن تجذب شريحة واسعة من المتابعين عبر الشبكات الاجتماعية

ويمكن القول بشكل عام إن توظيف المعلم لأدوات التواصل الاجتماعي في عملية التعليم، تمكنه من قيادة وتوجيه الأجيال الجديدة عبر الانترنت، وتوظيف معرفته لخلق محتوى تعليمي تواصلي يسهم في اثراء معارف الطلاب، ويقودهم في رحلة تعليمية حقيقية، وتوسع من أفاقه المهنية وقدراته على التواصل مع جمهور أكبر من الطلاب والمعلمين والخبراء، وقيادة المبادرات التعليمية والاجتماعية بما يحقق المنفعة العامة والمصلحة الشخصية، خصوصا في ضوء الاتجاه المتنامي للمدارس نحو تبني التعليم الالكتروني في التعليم











يحكى أن صبيا صغيرا رغب في تعلم الملاكمة، فذهب إلى أحد المدربين سائلا أن يتتلمذ على يديه، وافق المدرب بترحاب، ورتب مع الصبي جدول بمواعيد التدريب، ذهب الولد في اليوم الأول وكله حماس لتعلم أساليب المناورة والهجوم والدفاع، وجد المعلم ينتظره عند كيس الملاكمة، وأخبره أن عليه أن يتدرب على هذا الكيس، وبالفعل انتظم الولد في التدريبات لمدة عام كامل، يذهب في مواعيد التدريب بانتظام، ويبدأ في ملاكمة الكيس الجلدي الثقيل تحت اشراف مدربه، اصبحت ضرباته أسرع وأقوى، إلا أنه مازال في حاجة للمزيد، وبالفعل في نهاية العام الأول أخبره معلمه برغبته في المزيد.





استجاب له مدربه وجلب له كيس أكبر حجما وأثقل وزنا ليتدرب عليه، في البداية كان مرهق جدا للصبي، إلا أنه لم يلبث أن تعود عليه، وأصبح يستطيع ازاحته بضرباته التي أصبحت أكثر قوة، وصار يشعر بملل حقيقي من التدريب إلا أنه استمر على الانتظام فيه، وكان مدربه وأهله سعيدين بعضلاته التي كانت تبرز أكثر فأكثر.












ومع بداية العام الثالث انتقل الولد إلى مدرسة جديدة، وكان الأولاد يهاجمونه باستمرار ويضربونه، ولم يكن قادرا لا على صد ضرباتهم أو توجيه ضربات مماثلة لهم، على الرغم من قوة عضلاته، فذهب الولد يبكى ويشكي لمدربه، أخذ المدرب يفكر بعمق، ثم أخبر الولد أن الحل سيكون جاهزا بعد أسبوع، وبالفعل بعد أسبوع ذهب الولد بلهفة إلى قاعة التدريب، كشف له مدربه الستار عن كيس ملاكمة جديد مستورد من الخارج، كان أكثر لمعانا وأكبر حجما ووزنا، وبالفعل بدء الولد في التدرب عليه بحماس في البداية، ثم لم يلبث الحماس أن خبى بعد أن استمرت اهانات الأولاد له دون أن يكون قادرا على الرد.




وفي يوم من الأيام تم تغيير أكياس الملاكمة التقليدية، وأحضروا في قاعة التدريب أكياس ملاكمة الكترونية، كان كل كيس مربوط بآلة دقيقة تقيس قوة كل دقة وسرعتها، وتصدر صوتا جميلا كلما استطاع المتدرب أن يحقق رقما جديدا، وعلى الرغم من أنها ساعدت في تطوير الصبي لسرعة ضرباته وقوتها، إلا أن ذلك لم يمنع تعرضه المستمر للأذى..


وفي يوم من الأيام، انتظر الصبي حتى غادر الجميع القاعة، وكان قد قرر أن يكشفر سر أكياس الملاكمة كلها، وكم كانت صدمته كبيرة حينما اكتشف أن جميعها، التقليدية والالكترونية، لا يملؤها إلا القش.....
هل تعرف قصة مشابهة؟؟؟؟؟
إنها قصتنا جميعا مع المناهج التعليمية، لا يزيد المنهاج التعليمي عن كونه كيس للملاكمة، سواء تقليديا كان أو الكترزنيا، والمعلم الذي يلتزم بحذافير المنهاج هو يشبه ذلك المدرب، الذي لا يستطيع أن يطور قدراته بشكل حقيقي ولا يستطيع أن يربطا ربطا فعالا بين ما يدرسه للطلاب وبين واقعهم الفعلي (باستثناء السؤال: أين شاهدنا شيئا مثل ذلك في الواقع؟ وما شابهه من الأسئلة، والتي تربط ربطا نظريا مجردا لا يحقق فائدة فعلية).
إن المعلم الحقيقي هو الذي يتنساءل دائما حول استغلال كل جزء من المنهاج لتطوير قدرات الطلاب العقلية، أين يمكن أن يوظفها وكيف، هو المعلم الذي يقود طلابه دوما في رحلة معرفية استكشافية، ومشاريع حقيقية يمكن لهم من خلالها أن يبنوا معرفة واقعية، ويؤسس لتطوير قدراتهم النقدية والإبداعية وتنمية مهاراتهم في بناء وانتاج معرفة جديدة.....

كيف يمكن للمعلم ذلك؟ هذا ما يجب أن نستكشفه معا..

 يتساءل المعلمون دائما حول ما الأهم في الوسيلة التعليمية، ينصرف المعظم إلى التركيز على جاذبية المظهر، بينما يفضل البعض الآخر شمولها على محتوى الكتاب، بينما يركز البعض الآخر على حداثة الوسيلة وطرافتها، والحقيقة أن كل هذه العناصر مهمة، إلا أن من واقع خبرتي فإن السؤال الأهم هو: ماذا اتوقع من الطالب أن يقوم به؟ كيف سيستخدم الطالب الوسيلة؟ ما أشكال التفاعل التي اتوقع أن يقوم بها الطلاب؟ وما أنواع التفكير التي ستصاحب تفاعله؟ وما الذي سينتج عنها من خبرات لدى المتعلم؟

إن أحدث الوسائل، وأكثرها جاذبية وطرافة، طالما ظل من يستخدمها هو المعلم، فإنها تبقى في إطار العرض السلبي، ربما تضيف بعد تصويري بصري إلى الخبرة التعليمية، إلا أن فائدتها تبقى ضئيلة بالوسائل التعليمية التي يستخدمها الطالب وتساعده على بناء معرفته بذاته من خلال الاستكشاف.


نافذة الصف..

لماذا تبدو دائما نافذة الصف وكأنها سور يحاصر الطالب، ويحصره داخل تلك الحجيرة المربعة؟ هل من أجل مزيد من العزلة بين داخل الصف وخارجه؟ هل هي دليل على المنهاج والحياة التعليمية المنغلقين غالبا على نفسهما؟ أيا ما كان.. اعتقد أن واحدة من مهمات المعلم الأساسية مساعدة عقول الطلاب وأرواحهم على تجاوز تلك الحواجز والتحليق خارج النوافذة محكمة الأغلاق