لماذا نحتاج اليوم إلى كتيب عن اتخاذ القرار أكثر من أي وقت مضى؟
في عالم تتزاحم فيه المعلومات، وتتنافس فيه الأصوات، وتتداخل فيه الحقائق مع الانطباعات، لم يعد السؤال التربوي الأهم هو: كيف نعرف؟ فقط، بل أصبح أيضًا: كيف نقرر؟
لهذا يأتي الكتيب الثالث عشر من سلسلة مفاتيح التفكير النقدي بعنوان:
كيف نتخذ قرارًا أفضل في المواقف المعقدة؟
ضمن المرحلة الثانية: نظرة أعمق، وهي المرحلة التي تنتقل بالسلسلة من مجرد فحص العبارة إلى بناء حكم في عالم معقد. والكتيب موجّه إلى المعلمين، والمدربين، وميسري التعلم، وطلبة كليات التربية، والعاملين مع اليافعين.
أهمية هذا الكتيب لا تكمن في أنه يتحدث عن “اتخاذ القرار” بوصفه مهارة عامة شائعة، بل في أنه يعيد ربط القرار بجذوره الحقيقية: التفكير النقدي. فهو ينطلق من فكرة واضحة: القرار الجيد ليس هو الأسرع، ولا الأريح، ولا الذي يرضي الجميع، بل هو حكم متزن ومبرر، مبني على معايير واضحة، وواعٍ بحدود المعرفة، وقابل للمراجعة حين تظهر معطيات أقوى.
نحن نعيش زمنًا لا يكفي فيه أن نكشف الخلل في معلومة، أو نلاحظ تناقضًا في خطاب، أو ننتبه إلى انحياز في منشور. كل ذلك مهم، لكنه لا يكتمل إلا حين يساعدنا على اختيار ما ينبغي فعله. هنا بالضبط تبرز قيمة هذا الكتيب: إنه ينقل التفكير النقدي من مساحة الفحص إلى مساحة الفعل، ومن مستوى التحليل إلى مستوى الحكم المسؤول.
والأهم أن هذا الموضوع لم يعد شأنًا نخبويًا أو نظريًا. ففي الصف، يواجه المعلم قرارات يومية تتعلق بالعدل، والانضباط، والحوار، وتقدير المصلحة التربوية. وفي الورشة، يوازن المدرب بين الوقت، والهدف، وتفاعل المشاركين. وفي الحياة الرقمية، نصادف كل يوم مواقف تتطلب أن نقرر: هل ننشر؟ هل نؤجل؟ هل نتحقق؟ هل نعلّق؟ هل نتراجع؟ هذه كلها ليست قرارات تقنية باردة، بل اختبارات حقيقية لسلامة التفكير.
ما يجعل هذا الكتيب مهمًا أيضًا هو أنه لا يبيع وهم اليقين الكامل. هو يعترف بأن كثيرًا من المواقف المعقدة لا تمنحنا معلومات مكتملة، ولا بدائل مثالية، ولا وقتًا مفتوحًا. لذلك يدافع عن فكرة تربوية ناضجة: أحيانًا يكون أفضل ما نملكه ليس قرارًا نهائيًا، بل قرارًا مرحليًا مسؤولًا، واضح المعايير، قابلًا للمراجعة، ويقلل الضرر قدر الإمكان.
في جوهره، هذا الكتيب ليس عن “كيف نختار بسرعة”، بل عن كيف نصبح أهدأ وأوضح وأكثر عدلًا حين نختار. وهذه ليست مهارة إضافية على التعليم، بل من صميمه. لأن التربية التي لا تساعد المتعلم على الحكم السليم في المواقف المعقدة، تتركه وحيدًا أمام عالم سريع، ضاغط، ومليء بالبدائل المربكة.
لهذا نرى أن هذا الكتيب يمس حاجة تربوية حقيقية اليوم:
أن نُخرِج التفكير النقدي من كونه شعارًا عامًا، ونجعله أداة عملية توجه القرار في الصف، والورشة، والحياة اليومية، والفضاء الرقمي.
لأن التفكير النقدي لا يكتمل حين يكشف الخلل فقط، بل حين يوجّه الفعل.