في الأعوام الأخيرة، لم تعد أزمة التفكير مرتبطة فقط بضعف المعلومات أو سرعة انتشار الشائعات، بل صارت أعمق من ذلك: أزمة في طريقة تعاملنا مع الأشخاص، والأفكار، والجماعات، والمواقف، والروايات العامة. صرنا نرى حولنا ميلًا متزايدًا إلى رفع بعض الآراء أو الرموز أو التجارب فوق السؤال، وكأن مجرد الاقتراب منها بالنقاش خيانة، أو نقص في الاحترام، أو خروج عن الجماعة.
هذه هي عقلية التقديس: أن يتحول الشيء من فكرة قابلة للفهم والمراجعة إلى منطقة مغلقة لا يُسمح بدخولها إلا بالتصديق والتسليم. وهي لا تظهر دائمًا في صورة واضحة أو صريحة؛ فقد تتخفى أحيانًا خلف الحب، أو الوفاء، أو الانتماء، أو الخوف، أو الرغبة في حماية صورة شخص أو مؤسسة أو جماعة أو سردية ما.
في هذه العقلية، لا يعود السؤال أداة للفهم، بل يصبح تهديدًا. ولا يعود الاختلاف فرصة لتوسيع الرؤية، بل يُقرأ بوصفه عداءً. ولا يعود الدليل مهمًا بقدر أهمية مصدر الكلام أو مكانة قائله. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين يصبح التفكير تابعًا للهيبة، لا للحجة؛ وللانتماء، لا للفحص؛ وللشعور، لا للحكم المسؤول.
لقد ساهمت السنوات الأخيرة في تعميق هذه الأزمة. فالعالم الرقمي جعل الآراء تنتشر بسرعة، وجعل الجماعات المغلقة أكثر قدرة على إنتاج يقينها الخاص. والمنصات لا تكافئ دائمًا الفكرة الأهدأ أو الأكثر دقة، بل تكافئ ما يثير الانفعال، ويشد الجمهور، ويصنع اصطفافًا سريعًا. في مثل هذا المناخ، يصبح من السهل أن نقدّس من نحب، ونلغي من نختلف معه، ونخلط بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها.
لكن التفكير النقدي لا يدعو إلى الهدم، ولا إلى السخرية من القناعات، ولا إلى تحويل كل شيء إلى موضع شك دائم. إنه يدعو إلى شيء أبسط وأعمق: أن نمنح السؤال حقه. أن نفصل بين الاحترام والتسليم. أن نحب دون أن نفقد القدرة على المراجعة. أن نختلف دون أن نسحق الآخر. وأن نؤمن بقيمة ما، دون أن نغلق الباب أمام الفهم والنقد والتحسين.
من هنا يأتي هذا الكتيب: عقلية التقديس والتفكير النقدي، ضمن سلسلة مفاتيح التفكير النقدي – المرحلة الثانية: نظرة أعمق.
يحاول الكتيب أن يقترب من هذه المسألة الحساسة بلغة تربوية هادئة وعملية. لا يهاجم القناعات، ولا يستخف بالرموز، ولا يدفع القارئ إلى التمرد العشوائي، بل يساعده على التمييز بين التقدير والتقديس، بين الاحترام وتعطيل العقل، بين الوفاء للفكرة وإغلاقها أمام المراجعة.
يقدّم الكتيب أدوات بسيطة يمكن للمعلمين والمدربين وميسري التعلم استخدامها داخل الصف والورشة والحوار اليومي. فهو يسأل مثلًا:
كيف نعرف أن فكرة ما تحولت إلى منطقة ممنوعة من السؤال؟
متى يصبح الدفاع عن شخص أو جماعة أو رأي دفاعًا أعمى؟
كيف نعلّم اليافعين أن يسألوا باحترام دون خوف؟
وكيف نفتح نقاشًا نقديًا لا يتحول إلى صدام أو استهزاء أو إلغاء؟
أهمية هذا الكتيب لا تكمن في أنه سيحل الأزمة كلها؛ فالعقليات لا تتغير بكتيب واحد، ولا بثلاثة أنشطة صفية. لكن قيمته أنه يفتح ثغرة صغيرة في الجدار: ثغرة للسؤال، وللتمييز، وللإنصات، ولإعادة التفكير. وأحيانًا، يكفي أن نستعيد حق السؤال حتى يبدأ العقل بالتنفس من جديد.
هذا الكتيب موجّه لكل من يعمل مع المتعلمين واليافعين، ولكل من يشعر أن الحوار العام صار أكثر توترًا وانغلاقًا، وأن الحاجة لم تعد فقط إلى معلومات أكثر، بل إلى عقل أهدأ، وسؤال أعدل، وحكم أكثر مسؤولية.
.png)
0 التعليقات :
إرسال تعليق